محمد بيومي مهران

102

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه لأن نزول القرآن بلغة العرب ، لا يقتضي أن العرب كلهم يفهمونه في مفرداته وتراكيبه ، وإنما كانوا يختلفون في مقدار فهمه حسب رقيهم العقلي ، بل إن ألفاظ القرآن نفسها لم يكن العرب كلهم يفهمون معناها ، كما لم يدع أحد أن كل فرد في كل أمة يعرف ألفاظ لغتها « 1 » . وليس أدلّ على ذلك ، مما يروى عن أنس بن مالك ، أن رجلا سأل الفاروق عمر عن قوله تعالى « وَفاكِهَةً وَأَبًّا « 2 » ، ما الأب ؟ فقال عمر : نهينا عن التكلف والتعمق » ، وروي عن عمر أيضا ، أنه كان على المنبر ، فقرأ « أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ » « 3 » ، ثم سأل عن معنى « التخوف » ، فقال رجل من هذيل : التخوف عندنا التنقص « 4 » . وقريب من هذا ، ما روي عن ابن عباس ( 3 ق . ه - 68 ه ) أنه قال : ما كنت لأدري ما فاطر السماوات والأرض ، حتى أحتكم إليّ أعرابيان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أي ابتدأت حفرها « 5 » . فإذا كان هذا شأن الفاروق ، يلتبس عليه معنى « التخوف » إلى أن يفسره له شيخ من هذيل ، لأن التخوف من لغة هذيل ، وإذا كان هذا شأن ابن عباس - وهو حبر الأمة ، وترجمان القرآن ، ومن دعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقوله : اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ، ومن كان عنده أدق الفهم لإشارات القرآن ودقائق معانيه « 6 » - لا يدري معنى فاطر السماوات

--> ( 1 ) احمد امين : فجر الاسلام ص 196 ( 2 ) سورة عيسى : آية 31 ( 3 ) سورة النحل : آية 47 ( 4 ) الموافقات 2 / 57 - 58 ، فجر الاسلام ص 196 ( 5 ) مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية ، تفسير الطبري 14 / 77 ( 6 ) الاتقان 2 / 179 ، 187 ، تفسير القرطبي 1 / 33 ، فتاوى ابن تيمية 4 / 93 ، 94 ، 13 / 365 ، 17 / 402 ، تفسير الطبري 1 / 90 ، مقدمتان في علوم القرآن ص 57 - 58 ، 264